قال تفسير القرطبي: الملأ الذين كفروا من
قومه هم الرؤساء الذين كانوا في قومه. يسمون الملأ لأنهم
مليئون بما يقولون.
قال هؤلاء الملأ لنوح: أنت بشر يا نوح.
رغم أن نوحا لم يقل غير ذلك، وأكد أنه مجرد
بشر.. والله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، لأن الأرض يسكنها
البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من
الملائكة.. استمرت الحرب بين الكافرين ونوح.
في البداية، تصور الكفرة يومها أن دعوة نوح
لا تلبث أن تنطفئ وحدها، فلما وجدوا الدعوة تجتذب الفقراء
والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا الهجوم على نوح من هذه
الناحية. هاجموه في أتباعه، وقالوا
له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل.
هكذا اندلع الصراع بين نوح ورؤساء قومه. ولجأ
الذين كفروا إلى المساومة. قالوا لنوح: اسمع يا نوح. إذا أردت
أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن
سادة القوم وأغنياؤهم.. ويستحيل أن تضمنا دعوة واحدة مع هؤلاء.
واستمع نوح إلى كفار قومه وأدرك أنهم
يعاندون، ورغم ذلك كان طيبا في رده. أفهم قومه أنه لا يستطيع
أن يطرد المؤمنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنما هم ضيوف
الله.. وليست الرحمة بيته الذي يدخل فيه من يشاء أو يطرد منه
من يشاء، إنما الرحمة بيت الله الذي يستقبل فيه من يشاء.
كان نوح يناقش كل حجج الكافرين بمنطق
الأنبياء الكريم الوجيه. وهو منطق الفكر الذي يجرد نفسه من
الكبرياء الشخصي وهوى المصالح الخاصة.
قال لهم إن الله قد آتاه الرسالة والنبوة
والرحمة. ولم يروا هم ما آتاه الله، وهو بالتالي لا يجبرهم على
الإيمان برسالته وهم كارهون. إن كلمة لا إله إلا الله لا تفرض
على أحد من البشر. أفهمهم أنه لا يطلب منهم مقابلا لدعوته، لا
يطلب منهم مالا فيثقل عليهم، إن أجره على الله، هو الذي يعطيه
ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله، وأن
له حدوده كنبي. وحدوده لا تعطيه حق طرد المؤمنين لسببين: أنهم
سيلقون الله مؤمنين به فكيف يطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم
لخاصموه عند الله، ويجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نوحا من
الله لو طردهم؟ وهكذا انتهى نوح إلى أن مطالبة قومه له بطرد
المؤمنين جهل منهم.
وعاد نوح يقول لهم أنه لا يدعى لنفسه أكثر
مما له من حق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لله عز وجل، فهو لا
يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء
من عباده، وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى
وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس ملكا. بمعنى أن منزلته ليست
كمنزلة الملائكة.. قال لهم نوح: إن الذين تزدري أعينكم وتحتقر
وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم
وتضيع لاحتقاركم لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي
يجازيهم عليه ويؤاخذهم به.. أظلم نفسي لو قلت إن الله لن
يؤتيهم خيرا.
وسئم الملأ يومها من هذا الجدل الذي يجادله
نوح.. حكى الله موقفهم منه في سورة (هود):